الخميس، يناير ٣١، ٢٠٠٨

صور من عودة عاشقة إلى بغداد




صور من عودة عاشقة إلى بغداد
صباح رمادي آخر
حاله حال الذي سبقه.. وقد يكون أفضل من غد

لازلت متدثرة بأغطية كثيرة كأنني حبة ملفوف

كانت ليلتي باردة كحالها منذ أسبوع

... وكان الموقد بدون دموع ..فقد نضب وقوده منذ أيام

ولم يعد بوسعه حتى إذراف الدمع

أي دمع
رباه .. كم يشبهني

أفكر فيما سأعمله هذا الصباح

فمنذ عودتي إلى بغداد منذ أسبوع
وأنا مترددة في اتخاذ أي قرار ..أو تبني أي مشروع
.. مهما كان مشروعا .. ومهما كان بسيطا
لم تعد الأمور كما عهدتها قبل سنوات
كيف سأطلب منهم .. شاي الصباح
ربما سيكون هذا مكلفا بعض الشيء لهم سيما وأنني أعرف معاناتهم مع الغاز والنفط
سأذهب لأرى بغداد .. دون شاي الصباح
علني أجد مقهى صغير .. فأشربه هناك ، لن أنتظر أن يصحوا أقربائي
ربما سيمنعونني.. كما فعلوا منذ مجيئي
تحوم حول رأسي ذكريات تجرني من شعري ومن رموشي.. وتشعل النيران في ثيابي
(لا بأس سأتدفأ قليلا بها)
أول مكان سأقصد .. هو .. آخر مكان جمعنا أنا وهو

لم نكن نعلم يومها بأننا سنترك بغداد إلى
عمان وستوكهولم .. وبأننا لن نرى بغداد مثلما تركناها
ارتديت ملابسي بعجالة .. وانطلقت .. إلى الشارع بلهفة
وأخيرا .. أنا حرة .. مع بغداد حبيبتي .. ومع ذكرياتي
(أو هكذا اعتقدت)
أول ما لفت إنتباهي .. أن الشارع الذي الفته هنا سنوات .. بات من القذارة لدرجة لا يمكنني وصفها
حسنا .. ربما لم تمر سيارة جمع القمامة هذا الصباح بعد
ومشيت بعيدا .. ولكن الإسفلت الذي ألف خطواتي في الماضي .. لم يعرفني
ليس لأنني تغيرت
.. بل لأنه تشوه .. وفقد ذاكرته
.. تعلو وجهه حفر و ندبات وبثور
.. وتلتف حول جسده أسلاك شائكة
.. وتثقّل صدره كتل الإسمنت وحواجز الكونكريت
رباه .. ما هذا ..؟
تحفر نظراتي مسامات الإسفلت .. أتوسل إليه أن يتذكرني
إنني من هذه الأرض ..ارضي
لازالت أشعر بانتمائي إليك .. لماذا لا تعرفيني
...حتما إنك تتظاهري بذلك ..كردة فعل
.. لأنني تركتك منذ سنوات
.. ولأنني تركت حبيبي يرحل عنك قبل ذلك
لم يكن ذنبنا .. كان ذنب الزمن البغيض... زمن الرجولة المقهورة
أراد أن يعيش رجلا حرا .. وأردت أن أتذكره بطلا .. ورجلا فريدا
أتلفت إلى جوانب الطريق
أهذه أنت حقا يا بغداد ....لماذا أنت متشحة بالسواد ..؟
لماذا أحرقوا وجهك الجميل ؟
لماذا صبوا جام غضبهم على سنواتك الستة الآف ؟
أين الخراب الذي جلبه عليك التتار والمغول من الخراب الذي أراه اليوم ؟
هل كان المغول والتتار أرأف بك من الأمريكان والفرس؟ ومن عقوق بعض أبناءك ؟
أتأمل الوجوه .. أحاول أن أقترب من وجه تلك الطفلة
.. لألمس وجنتين عراقيين لازالتا تحملان بعض البراءة ..
لكنني أسحب يدي بسرعة وأبتعد خوفا من أن تتفجر بوجهي
ابتسامة أحد ذويها الذي قد يكون ارتدى حزاما ناسفا
ناسفا .. لكل شيء
حتى لابتسامة طفلته.. ليذهب معها قبل صلاة الظهر ويتغدى مع آخر المرسلين (ص) .. كما يظن
أفكر .. لا جدوى من السير هكذا .. وسط هذه المخاطر
فأرتمي في أحضان المقعد الخلفي لأول سيارة أجرة تعطف على حيرتي وغربتي
" الأخت من بغداد ؟ شكلك تائهة ؟!"
ولم أتبادل الحديث معه .. رغم إلحاح روحي الضامئة للحوار مع أي شيء عراقي لم يغادر ويهرب كما فعلت أنا
كنت أسترق النظر إلى مرآته .. فأراه يتأملني بابتسامة غريبة
إلهي .. هل سأكون بعد ساعات رهينة ؟
أم سأذبح قريبا إن أجبرني على إجابة سؤال غبي وحقير مثل العقل الذي قد يطرحه
" هل أنت سنية أم شيعية؟ " ولن أحزر الإجابة الصحيحة بالطبع
فربما أقتل أيا ما كانت إجابتي .. دون أن أعرف لماذا ومن سيستفيد من ذلك
ترى من سيفيده قتل امرأة قادها العشق وجرها من أذنها إلى شوارع بغداد ..؟
وإلى ذكرى حبيب يقيم في السويد الآن ..ما همه إن كنت سنية أو شيعية
فحبيبي لم يكن مسلما أصلا"
كان عراقيا .. وكنت عراقية .. وكانت بغداد حبيبتنا .. وشاهدة حبنا .. عراقية أيضا
تعمدنا في دجلة .. بإسلامي .. وبديانته... وكان دجلة عراقيا"
أذكر أنني دعوته مرة إلى زيارة الإمام موسى الكاظم (ع) .. وجلست هناك أقرأ له سور من القرآن الكريم
.. وبكينا كلينا عندما وصلنا إلى الآية الكريمة التي تقول فيها سيدتنا مريم (ع) " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا "
كم كانت ضعيفة وهشة حينها .. وكم كانت قوية وصلبة بتقبلها إرادة الرب كما هي
وكم كانت معاناتها وحيرتها بين الحالين
أهكذا أنت الآن يا بغداد
أتقولين في سرك ما قالته مريم (ع)؟
وأنتفض ذعرا من جديد .. فلا زال السائق يتأملني بنظراته الغريبة وابتسامته المحيرة
وانتبه لقوله " هذه المرة الخامسة وأنا أسألك ولا تجيبيني .. إلى أين تذهبين؟ "
ويتوقف فجأة .. ويتمتم ويستغفر ويتلفت ويأتي بأصوات وحركات أثارت فيّ الرعب
ولم أدري ما الأمر .. ولم أدري ماذا يجب أن أفعل
فصمت .. مثل قطعة آثار مسروقة لا تدري مصيرها
فقال " ما بك .. ألا تدركين ما يدور حولنا ؟
.. يا الله ما أبرد أعصابك
لم يدر أنني لم يبقى لي أعصاب ولا حتى دم ...!
وفهمت منه أن الطريق مغلق .. لوجود جثث لأشخاص مجهولين عذبوا و قتلوا ..
وأنها على بعد أمتار من سيارتنا ..
وتصورت نفسي( أطوارا ) أخرى .. عراقية إلى النخاع .. امرأة بأنوثة عارمة .. ومصير مجهول
وبعد أقل من ساعة .. واصل السير ..
ووصلت إلى المكان الذي أنشد ..
أخذتني خطواتي إلى معبدي .. فكان خرابا .. ومهجورا ..
هنا وقفنا ..نمسك أيدي بعضنا البعض .. وكان النهر يبتسم مباركا حبنا .. والأرض جذلى بشباب أحبوها وأحبتهم
كان حولنا العشرات من العشاق .. وكان الهواء يعبق بالمحبة والأمل بالمستقبل الواعد..
اليوم ...أين ذلك كله ؟..
الهواء ملوث بدخان الانفجار الذي وقع قبل قليل .. والذي سبقه ..والذي سبقه..
هرب العشاق مثلما هربنا أنا وهو منذ سنوات..
وهربت الطيور .. ولكنها لم تجد ملجأ آمنا فاختارت الأنفلونزا لتنتحر ..
رحماك ربي ..
فلم يصادر المجرمون وطني وثرواته فحسب ..
لقد صادروا شمسي .. ونهاري المبهج .. صادروا .. حضن دجلة الآمن الحنون ..
وصادروا تلك النسمة الرقيقة خاصتنا .. صادروا الخضرة والوجه الحسن ..
والمراكب والمجاديف في حضن دجلة ..
صادروا العشق والعشاق ولحظات العشق والسحر ..
صادروا ذكرياتي ..
ولأنني خفت أن أبقى بين الأطلال .. كي لا أفقد ذاكرتي .. فأسير مذهولة ومجنونة في الشوارع .. وأتوه ..
لملمت جراحي بهدوء النملة ..
وغادرت المعبد........ ولم أغلق الباب ..
فلم يعد هناك باب للذكريات .. ليغلق
فقد صادروا حتى ذلك الباب ..
ولأنني أميز بين الشعوب وبين إدارتها السياسية ..
سأطلب منهم أن يقفوا ضد إداراتهم السياسية.. إلى أن تعيد لي ذلك الباب ..
فوراءه العراق .. وكل ما لي هناك ..

ليست هناك تعليقات: