الأربعاء، يناير ٢١، ٢٠٠٩

إلى الدكتور محمد غنيم

t

نحن غارقون فى الثرثرة، وأنت تجابه الموت. نحن نخبئ رؤوسنا خلف غبار الموتى ونتكئ على أكوام من الجثث، ونبيت ليالينا نستدفئ بالنيران المشتعلة فى غزة، وأنت حملت رأسك وارتحلت حيث الوقت ملك الراقدين تحت البيوت المقصوفة، والمصابين باليورانيوم المنضب والمحترقين من (قنابل الانفجار المعدنى الكثيف)،
ذلك السلاح الذى لم يعلن عنه بعد، لأن فيه كل الخسة والوضاعة والانحطاط، فشظاياه تقتل كل من تلامسه، ودخانه يصيب بأخطر أنواع السرطان، فضلا عن أنه سلاح يدمر جهاز المناعة ويحتوى على مواد سامة وغير معروفة تعمل على إبادة من تصيبه أو من يستنشق غباره.
ذهبت يا سيدى، وأنت تعلم أن نيران العدو لا تفرق بين مصرى وفلسطينى. ذهبت وأنت على يقين أن غزة باتت أكبر مقبرة فى التاريخ.
بينما نحن ملتصقون بمقاعدنا أمام المحطات الفضائية نلهث خلف قمم اليأس والإحباط من الدوحة إلى الكويت إلى القاهرة، ونستمع لكلمات تافهة من زعماء الخنوع والرضوخ والاستسلام، بل محاباة العدو، ففى فرقة العرب وتناحرهم انتصار للمجرمين الصهاينة،
وللأسف هناك كثير من رؤساء العرب يعملون وفقا لأجندة أمريكية صهيونية،لا لشىء إلا حماية عروشهم وتضخيم ثرواتهم وضمان توريث مناصبهم، وأنت تلحفت بضميرك الحى واليقظ، وتحليت بشجاعة الرجال الذين ماتوا فى بلادنا، وخرجت حيث المعبر اللعين، والملاحق بتهم المشاركة فى واحدة من أكبر الجرائم فى التاريخ، قاصدا من يقفون على حافة الموت لا يهابونه مثلنا نحن المحاصرين بالجبن والضعف.
ذهبت لترفع هامتك وتقول إن مصر ما زال فيها أحياء، وإن اللحظة الراهنة لمن يمد اليد لا من يرفعها فى وجه أخيه، ونحن نلف رؤوسنا بأغطية العار ونضع على ضمائرنا حجارة الخوف. ذهبت لترى بعينك أفدح الجرائم وأكثرها إجراماً ودموية وبشاعة، ما يعنى أن لا سلام مع عصبة الإجرام والنازيين الجدد.
ذهبت وأنت تعلم أن الحيوانات الصهيونية المفترسة تقصف المستشفيات وطواقم الإسعاف، ولا تفرق بين دور طبيب ودور مقاتل، فكل العرب هم من الأغيار الواجب إبادتهم وحرقهم، كما فعلت فى المدارس والمستشفيات التابعة للأمم المتحدة حين ترى العزل يحتمون بها، ونحن ما زلنا ننتظر الموت على رصيف الذل.
سيدى لم تكتف بما صنعت للمرضى والبائسين والمحرومين، لم تقل إن هذا دورى، لم تفعل كغيرك وتقل إن غزة تحتاج لجهد الشباب، أو علىّ أن أساعد من يأتى ممزقاً من القطاع، لم تتحجج بأن الذهاب إلى أتون معركة قذرة هو مغامرة كبرى الموت فيها أقرب إليك من حبل الوريد، لكن العظماء والشجعان أمثالك يعرفون أن الموت الشريف أفضل مئات المرات من حياة تمتهن فيها الكرامة وتموت فيها الضمائر.
سيدى أنت تعلم أنك عندما كنت تنتظر السماح لك بعبور معبر رفح، كان قادة من الوطن العربى يصكون تعبيرات جديدة فى الدوحة ويخترعون مصطلحات وشعارات أقل ما فيها الكذب، وكان قادة آخرون يستعدون لقمة اقتصادية فى الكويت مع أنهم جميعا، وبلا استثناء، فشلوا فى صنع سوق عربية مشتركة.
فما أهمية قمة اقتصادية والصهاينة ينتهكون كرامتنا، ويضحكون من قلوبهم على هؤلاء الذين لا يمتلكون غير المزايدات على بعضهم البعض، وكيف يمكن مناقشة أمور اقتصادية والعالم العربى فى فرقة وفوضى عارمة، وكيف يمكن أن يحتفى القادة باتفاقات والغضب يسكن بلادهم، وكيف يرتضى هؤلاء أن تكون مجزرة غزة على هامش قمة، وكيف لهم أن يصدروا قرارات حاسمة رغم أنهم جميعاً وضعوا رؤوسهم حيث ينظر قادة العصابة الصهيونية، وحيث يتحرك جنودهم فى الأرض العربية.
بل رهنوا حياتهم ومستقبل كراسيهم بعلاقاتهم مع الكيان القاتل والغاصب، وراحوا يقدمون القرابين، ويقدمون المبادرات، ويرفعون شارات الاستسلام، ويطلقون الرصاص على القضية الفلسطينية، كل من موقعه، وحسب ما تقتضيه مصالحه الإقليمية والدولية. سيدى كنت صاحب قرار حين فشل الجميع وتشدقوا كالصهاينة بإدخال المعونات، كأن أهل غزة خراف تُعلف كى تساق إلى المجازر.
سيدى الدكتور العظيم محمد غنيم.. هذه أمة دبَّت فيها الشيخوخة، واشتعل الشيب فى رؤوس قادتها رغم ما يستخدمون من مساحيق وصبغات تلون الرؤوس بالسواد
بقلم :على السيد
المصرى اليوم 20/1/2009

ليست هناك تعليقات: